شكيب أرسلان
189
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
خلق عظيم ، ونزلوا من الأسوار في الحبال ، للخشية من الازدحام في الأبواب ، ومبادرة إلى شرب الماء . وكان قد تحيّز في وسط المدينة قدر سبعمائة نفس من الوجوه ، وحاروا في نفوسهم وانتظروا ما ينزل بهم ، فلما خلت ممن أسر وقتل ، وأخرج من الأبواب والأسوار ، وهلك في الزحمة ، نودي في تلك البقية بأن يبادر كل منهم إلى داره بأهله وله الأمان وأرهقوا وأزعجوا ، فلما حصل كل واحد منهم بمن معه من أهله في منزله ، اقتسمهم الإفرنج ، لعنهم اللّه تعالى ، بأمر الملك ، وأخذ كل واحد منهم دارا بمن فيها من أهلها ، نعوذ باللّه تعالى . وكان من أهل المدينة جماعة قد عاذوا برؤوس الجبال ، وتحصنوا بمواضع منيعة ، وكادوا يهلكون من العطش ، فأمنهم الملك على نفوسهم وبرزوا في صور الهلكى من العطش ، فأطلق سبيلهم ، فينما هم في الطريق ، إذ لقيتهم خيل الكفر ممن لم يشهد الحادثة فقتلوهم إلا القليل ممن نجا بأجله . قال : وكان الفرنج ، لعنهم اللّه تعالى ، لما استولوا على أهل المدينة ( وذكر أمورا هنا أمسكنا عن نقلها لأنها مما تتفطر له الكبود وتقشعر الجلود ) وجرى من هذه الأحوال ما لم يشهد المسلمون مثله قط في ما مضى من الزمان ، ولما عزم ملك الروم على القفول إلى بلده ، تخيّر من بنات المسلمين الجواري الأبكار والثيبات ذوات الجمال ، ومن صبيانهم الحسان ألوفا عدة ، حملهم معه ليهديهم إلى من فوقه ، وترك من رابطة خيله ببربشطر ألفا وخمسمائة ، ومن الرجال ألفين . قال ابن حيان : واختم هذه الأخبار الموقظة لقلوب أولى الألباب بنادرة يكتفى باعتبارها عما سواها ، وهي أن بعض تجار اليهود جاء بربشتر بعد الحادثة ، ملتمسا فدية بنات بعض الوجوه ، ممن نجا من أهلها ، حصلن في سهم قومس من الرابطة فيها كان يعرفه . قال : فهديت إلى منزله فيها . واستأذنت عليه ، فوجدته جالسا مكان رب الدار ، مستويا على فراشه ، رافلا في نفيس ثيابه ، والمجلس والسرير كما خلفهما ربهما يوم محنته ، لم يغير شيئا من رياشهما وزينتهما ، ووصائفه مضمومات الشعور ،